الخميس، 23 أبريل 2015

مشوار البليارد واللقمة الحاف

طلبت منه ذات يوم حوارا عن كرة القدم والرياضة كلها فى حياته وحياتنا.. فضحك طويلا ثم قال لى: يا عم ياسر مش طالبة حوار ولا محتاجة كتر كلام.. أنا أهلاوى وبحب الكورة، واللى لعبته زمان فى أبنود لا بقى ينفع يتقال ولا يهم أى حد النهارده.. فقلت له يا خال لا أريد حوارا عن كل ذلك، إنما أريد فقط أتوقف معه أمام تعبير جميل وصادم ولافت جاء فى رائعته الشهيرة باسم «جوابات حراجى القط».. فسألنى عبدالرحمن الأبنودى عما أقصده.. فبدأت أقول له بصوت عال: «حراجى عرف السر يا فاطنة.. عرف السر.. شاف المعنى التانى للخير والشر.. الشوف خلاه استقوى.. وخلاه خاف.. خاف م المشوار بين البليارد وبين اللقمة الحاف».. وكان هذا المقطع الذى يحكى فيه عبدالرحمن الأبنودى عن خوف الفقراء وحيرتهم وصدمتهم وخجلهم من ألعاب الأغنياء.. خوف حراجى القط العامل فى السد العالى لزوجته فاطمة أحمد عبدالغفار.. وكنت والخال عبدالرحمن نتجادل كثيرا بشأن تلك الرسائل، حيث كنت أؤكد له فى كل مرة أنها ستبقى أهم وأجمل وأصدق أعماله.. وأنها أحلى من أغانيه، مهما كانت جميلة، وأهم من كل قصائده المهمة.. ولم يكن الخال يوافقنى لكنه أيضا لم يقنعنى يوما بتغيير قناعتى ورؤيتى.. وكان يحب أن أردد معه مقاطع كثيرة من تلك الرسائل التى حفظتها كلها بنفس لهجة الخال الصعيدية، رغم أننى من الشرقية وأعتز بذلك.. وعاد الخال يردد معى مرة أخرى مخاوف حراجى القط من المشوار بين البليارد واللقمة الحاف.. وقال لى يومها إن كثيرين جدا عرفوا نفس الخوف وعاشوه وتحملوه ثم نجحوا فى النهاية وانتصروا على خوفهم وغربتهم وأحزانهم.. وأوضح لى عبدالرحمن الأبنودى أنه يقصد كل البسطاء والفقراء والغرباء الذين يملكون من الموهبة والطموح ما يجعلهم يقفزون فوق كل الأسوار ويفتحون أمامهم أى باب حتى يصبحوا فى النهاية هم النجوم التى تضىء للجميع، سواء كانوا أغنياء أو فقراء.. قال لى الأبنودى إن هذا التشبيه ينطبق على كثيرين جدا.. الخطيب وعادل إمام وحسن شحاتة ونور الشريف وأبوتريكة، وعشرات الأسماء فى كل مجالات حياتنا.. فلكل واحد من هؤلاء حكاية فيها من الطموح والتحدى أكثر مما فيها من الجرح والوجع.. لكن تبقى للخطيب حكايتان وحكايته الثانية هى أنه كان السبب الأول والمباشر لوقوع الخال فى غرام الأهلى وتشجيعه رغم افتتانه واحترامه واعتزازه بالنادى الإسماعيلى.. وقد كان الأبنودى نفسه واحدا من هؤلاء.. الشاب الذى جاء فقيرا يطرق أبواب القاهرة باحثا عن مكان لا يملك إلا أحلاماً وورقةً وقلماً ومفرداتٍ لا أول لها ولا آخر، اختزنها فى سنوات الألم والحيرة والمتاهة والحب حتى انتصر فى النهاية على القاهرة.. انتصر الأبنودى على القاهرة، ووجد مكانه ومكانته، وأحبها وعلمها كيف تغنى معه وتحزن وتفرح وترقص على إيقاع حروفه ومعانيه.. وسيبقى الأبنودى فى ذاكرة مصر كلها والثقافة والقصيدة والأغنية العربية.

هذا المحتوى من «المصري اليوم».. اضغط هنا لقراءة الموضوع الأصلي والتعليق عليه



من المصري اليوم | أخبار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق