اخترع الفراعنة الرياضة فى زمانهم كتدريبات للاستعداد للحرب.. وأعاد الإغريق اختراع الرياضة كبديل للحرب.. لكن الرومان هم الذين اخترعوا الرياضة التى لانزال نعرفها ونراها حتى اليوم.. أى الرياضة التى تقوم على الفرجة.. فأغنياء الرومان كانوا يحبون الجلوس فى الكولوسيوم فى قلب روما يستمتعون بمشاهدة العبيد يجرون ويصارعون الأسود أو يقتلون بعضهم بعضا.. فالكولوسيوم هو المدرج الذى بناه الرومان فى القرن الأول بعد ميلاد المسيح، وكان عبارة عن مدرجات دائرية تحيط بفناء ضخم يتسع لكل أنواع اللعب واللهو لإمتاع أغنياء روما.. وهى نفس الصورة التى بقيت قائمة حتى اليوم.. فى ملعب كرة قدم أو ملعب تنس أو صالات السلة واليد والطائرة أو أى وكل لعبة أخرى.. نفس الفكرة والمعنى والصورة.. أن تجلس أنت مستريحا تستمتع بالفرجة على من يلعب بالنيابة عنك.. يحلم ويحاول ويجرى ويخسر وينتصر بالنيابة عنك.. وأنت تنفعل وتنتصر أو تخسر دون أن تدفع أى ثمن حقيقى، سواء كان ثمنا يكفى لانتصارك أو ثمنا ستدفعه نتيجة خسارتك.. وأحيانا يتمرد كثيرون على رؤية روما للفرجة، ويستعيدون إنسانيتهم ويمارسون الحضارة والرقى، فلا يعجبهم أن يلعب العبيد بالنيابة عنهم.. بينما يبقى آخرون.. كثيرون أيضا.. ونحن منهم بالتأكيد أسرى للفرجة ونكتفى بها.. وبالتالى لا يستوقفنا ما جرى مثلا فى ماراثون بوسطن منذ أيام قليلة، وما شهده من قصص وحكايات أبطالها بشر وجمهورها بشر وليس فيهم سادة أو عبيد.. فهذا الماراثون أصبح أحد أشهر سباقات الجرى فى الدنيا بأسرها.. وشهد هذا السباق قبل عامين حادثا إرهابيا راح ضحيته ثلاثة قتلى وأكثر من مائة وثمانين مصابا، منهم عداءون ومشاهدون ومواطنون عاديون لا علاقة لهم بالسباق أصلا.. واحدة من المصابين كانت العداءة ريبيكا جريجورى التى فقدت نصف قدمها اليسرى رغم الثمانى عشرة جراحة.. وأصرت ريبيكا أن تشارك فى ماراثون هذا العام بقدم صناعية.. ونجحت فى الوصول لخط النهاية لتنهار باكية وهى تصرخ.. اليوم استعدت حياتى.. فـ«ريبيكا» لم تر أن سعادتها أو انتصارها هو إعدام جوهر تسارناييف، الذى قام بالتفجيرات قبل عامين وستبدأ محاكمته هذه الأيام.. إنما كانت فرحتها الحقيقية هى انتصارها على العجز والألم.. تماما مثل الفنزويلى مايكل ملاميد المصاب بضمور عضلى يمنعه من الجرى.. لكنه أصر على أن يشارك فى ماراثون هذا العام ويجرى رغم الألم والضعف والتسعة والثلاثين عاما من العمر.. وعلى الرغم من أنه كان الأخير ولم يصل لخط النهاية إلا بعد عشرين ساعة من المعاناة.. إلا أنه انتصر على كل شىء، وكان فى انتظاره عشرات الصحفيين والمشجعين الذين احترموا كل هذا الإصرار والشموخ.. وقصص وحكايات أخرى لا تخرج منها إلا بأن الرياضة ليست كلها فرجة وانتماءات زائفة وتعصباً وماكينات لا تتوقف لصنع الغضب والكراهية.. وإنما لايزال ممكناً أن نجد فيها الفرحة والقوة وكبرياء الانتصار على أى خوف وضعف وحزن.. وأن نجد فيها الإنسان أيضاً.
هذا المحتوى من «المصري اليوم».. اضغط هنا لقراءة الموضوع الأصلي والتعليق عليه
من المصري اليوم | أخبار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق