كان صلاح الدين الأيوبى زعيماً تاريخياً.. ما فى ذلك شك.. وكان قائداً عظيماً وبطلاً قومياً.. لا جدال فى ذلك.. فهو الذى أقام دولة عربية إسلامية موحدة ضمت إلى جانب مصر جزءا كبيرا من المشرق العربى، وهو الذى حرر أجزاء كثيرة من الأرض العربية على رأسها بيت المقدس من أيدى الصليبيين.. لكن تلك الصفحات المجيدة الناصعة البياض لطختها بقعة حالكة السواد لا أجد وصفا مناسبا لها إلا بأنها جريمة! ربما كان لتلك الجريمة ما يبررها من منظور المشتغلين بالعمل السياسى الذين يجدون دائماً فى الأهداف القومية الكبرى ما يشفع فى رأيهم لكل الجرائم والآثام أياً ما كانت فداحتها!!.. ربما كان لها ما يبررها من منظور أمثال هؤلاء، لكنها تظل مع ذلك جريمة.. ومهما مرت القرون على عصر صلاح الدين، ومهما بقيت ذكرى الأمجاد، فيبقى معها أيضا ذكرى الجريمة! الواقعة التى أقصدها هى قتل السهروردى وإحراق مؤلفاته، أو على وجه الدقة ما تم ضبطه منها إذ أن الكثير من مصنفاته ما زال باقيا لحسن الحظ إلى الآن.. شهاب الدين السهروردى نابغة من نوابغ المسلمين وحكيم من حكمائهم وعلم من أعلام متصوفيهم ومؤسس لتقنيات فرع فريد من فروع المنطق هو «المنطق الإشراقى»، ولد فى بلاد فارس، وقاده حب العلم والمعرفة إلى الترحال فى بلاد الإسلام يحاور ويتعلم ويعلم، وكان دائماً يأخذ بألباب السامعين ويثير إعجابهم، ومن بين الذين أعجبوا به كان حاكم حلب: الملك الظاهر ابن صلاح الدين الأيوبى الذى دعاه إلى الإقامة فيها وقربه إليه وراح يشهد مناظراته مع فقهاء الظاهرية، وهى تلك المناظرات التى كان السهروردى يفحمهم فيها بقوة منطقه فيزداد الظاهر إعجابا به وتقريبا له، بينما يزدادون هم غيرة منه ونقمة عليه، وهو ما جعلهم فى النهاية يستدرجونه إلى فخ وقع فيه دون انتباه إلى ما يدبرونه له! فقد دعوه إلى مناظرة فى مسجد حلب، حيث سأله سائل منهم: «هل يقدر الله أن يخلق نبيا بعد محمد؟»، وطبقا لما أورده العماد الأصفهانى فى كتابه «البستان الجامع» فإن السهروردى أجاب بأنه لا حد لقدرته!! وهو ما تأولوه بأنه ينكر أن محمداً هو خاتم الأنبياء!! فطلبوا من الملك الظاهر أن يطبق عليه حد الردة فأبى! فكتبوا محضرا بذلك ولجأوا إلى صلاح الدين فى القاهرة فى مسلك أشبه ما يكون بالمظاهرة التى تضغط على وجدان الناصر وتطالبه بإعدام السهروردى!! وخشى صلاح الدين فيما يبدو من مغبة إغضاب أولئك الفقهاء فى وقت يستعد فيه للمزيد من المواجهات مع الصليبيين، وبالتالى فهو أحوج ما يكون فيه إلى تأييدهم لما يمتلكونه من قوة التأثير على عامة الناس!! فكتب إلى ابنه يقول (هذا السهروردى.. اسجنه أو اقتله!)، ولم يستطع الظاهر إلا أن يمتثل لأمر أبيه، ومثلما فعل قضاة أثينا الذين حكموا على سقراط بالإعدام وتركوا له حرية اختيار الطريقة التى يعدم بها، كذلك فعل الظاهر مع السهروردى حيث ترك له أن يختار طريقة موته، فاختار أن يسجن بلا طعام أو شراب حتى يموت!!..غير أن هناك رواية أخرى تقول بأنه حمل مكبلاً بالأغلال إلى الناصر صلاح الدين فى مصر، حيث قطعت رأسه وأحرق ما تم العثور عليه من كتبه.. يقول بعض المؤرخين إن صلاح الدين قد ندم فيما بعد على قتل السهروردى.. غير أن هذا القول غير مؤكد، فالمؤكد فقط أنه قد قتل وأن كتبه قد أحرقت، وسواء كان قد مات جوعاً أو ذبحاً فإن صلاح الدين الأيوبى فى الحالتين هو المسؤول عن قتله وهى جريمة لم ينسها له- رغم كل أمجاده- التاريخ.
هذا المحتوى من «المصري اليوم».. اضغط هنا لقراءة الموضوع الأصلي والتعليق عليه
من المصري اليوم | أخبار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق