الخميس، 30 أبريل 2015

إيمان يحيى.. جراح يتقن «الكتابة بالمشرط»

لعل هذه هى المرة الأولى التى يبدع فيها جراح عملاً روائياً فذاً، كل الأطباء الذين كتبوا من قبل الشعر أو القص لم يمسكوا هذا المشرط فيما يبدو، كانوا إما أطباء نفسيين أو ممارسين عامين، أو ممن هجروا المهنة وآثروا عليها الكتابة، من هنا فإن إيمان يحيى يقدم لنا فى روايته المدهشة «الكتابة بالمشرط» تشريحاً دقيقاً لحالة الدكتورة سعاد، التى عز على الرجال أن تقف نداً لهم فى قسم الجراحات التخصصية فى كلية الطب، خاصة رئيس القسم الإخوانى الجشع المتآمر الدكتور عامر النقلى، لا يمكن أن يكون عقلياً بطبيعة الحال، وتشريحاً مكبراً فى الآن ذاته للجامعات المصرية وما درجت عليه فى العقود الأخيرة من دفن مواهب أبنائها وقتل كفاءاتهم بالأحقاد الصغيرة والأوهام الضخمة والفساد المتجذر، بل يبلغ الأمر باتساع مدى دلالة الرواية أن تغرى أحد شخوصها ليقيم تناظراً لافتاً بين حالة الدكتورة سعاد وحالة مصر كلها فى تهميش الشباب وإحباط طموحاتهم بعد ثورتين أدهشتا العالم بأسره، ولأن الدكتور إيمان موهوب بالفطرة وشغوف بهندسة عمله فإنه يقع من الضربة الأولى على بؤرة الداء فى المجتمع المصرى الكاشفة عن بقية مشكلاته المزمنة التى تعوق مسيرته الحضارية، وهى الاستكانة إلى الحس الدينى المرتبط بالتعصب والمولع بالفتن الطائفية الدخيلة على النسيج المجتمعى الأصيل، بدوافع أبعد ما تكون عن القيم الروحية وأقرب إلى منطق المصالح والشهوات الخادعة، ولأن المؤلف تلميذ نابغ لصنع الله إبراهيم فإنه يشكل مشاهده بطريقة بصرية سينمائية، ويسجل أسفل صفحاته ملاحظات توثيقية تضفى على عمله مصداقية تاريخية، فلا يترك أية تفصيلات للحدس أو الصدفة، بل يعقم شخوصه ويحدد مواقفهم وبوضوح قاصم، يختلف عن أستاذه فى النفاذ إلى خلاياهم الداخلية، مخترقاً جلودهم ودهونهم وعضلاتهم ليبلغ مكمن الداء فى نفوسهم والظنون فى عقولهم، يستخدم الراوى العليم بأدواره المتعددة، يتفحص شخوصه، يحاور نفسه وغيره، يحرص على الخيط الدرامى المتنامى بمهارة بالغة، يوسع دائرة الشأن الفردى ليصبح مؤسسياً، ثم مهنياً وأكاديمياً، وينتهى إلى أن يكون وطنياً فى آخر المطاف دون افتعال أو ترميز متعسف، وهذا هو الإتقان التقنى الذى يضمن التأثير الجمالى الفعال. تبدأ المشكلة فى المشهد الافتتاحى بأمر بالغ البساطة والعادية، يرقب السيد رئيس القسم من شرفة مكتبه الخلفية فتاة يافعة ترتدى حجابها الأزرق السماوى ومعطفها الأبيض المفتوح فوق بدلة العمليات ذات اللون اللبنى الفاتح - لاحظ الثراء البصرى للمشهد - وهى تتكلم فى حديقة المستشفى الخلفية مع زميلها «أبنوب» مدرس مساعد الباطنة الطويل الرفيع الشبيه «بزعزوعة القصب»، إنها الدكتورة سعاد التى تعمل عنده فى القسم والتى سيبلغه بعد ذلك أنها انتقدته أمام أستاذ آخر لإجرائه عمليات غير معترف بها تعرض حياة المرضى للخطر، والتى تتكالب عليها أطماع بعض زملائها الصغيرة فيطلقون شائعات كاذبة عنها، مع استهانة بعض الأساتذة بضرورة احترامها كأنثى، كى تجعل من تعيينها فى الدرجة العلمية معركة جامعية طاحنة.

هذا المحتوى من «المصري اليوم».. اضغط هنا لقراءة الموضوع الأصلي والتعليق عليه



من المصري اليوم | أخبار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق