طفل صغير يرقد فى مهده، وجهه إلى السقف، عيناه مغمضتان، ليس هناك ما يشغله، لكن البحث العلمى يأبى إلا أن يقلق راحته. قطعتان صغيرتان من القطن، متماثلتان لوناً وحجماً وشكلاً، تُرفعان على جانبى وجهه، واحدة إلى يمينه والأخرى إلى يساره، تفصلهما عن أنفه مسافتان متساويتان. لا يكاد الطفل يقوى على الحركة، لأنه رضيع لم يكمل أسبوعه الأول، ومع ذلك تراه يحاول الالتفات يميناً، حتى ينجح فى تحريك رأسه. ملليمترات قليلة، لكنها واضحة قاطعة. السر فى ذلك أن قطعة القطن الموجودة جهة اليمين تحمل نفحة من عرق أمه، أما القطعة اليسرى فتحمل عرق امرأة أخرى، عمرها يناظر عمر أمه، ولديها رضيع فى نفس عمره أيضاً. لم يحرك الطفل رأسه بالصدفة، لأنك إذا بدلت موضعى القطعتين سوف ترى الطفل يبدل اتجاهه نحو اليسار، مقرباً أنفه من رائحة أمه، ومبتعداً عن رائحة المرأة الغريبة. هكذا عرف العلماء أن الشم هو أول وسيلة تعارف يستخدمها الإنسان، وأن الرضيع يهتدى إلى أمه عن طريق رائحتها، فهل معنى ذلك أن لكل فرد رائحته الخاصة؟ أجل، فالكائنات الدقيقة التى تستوطن جلدنا تحلل ما يوجد فى العرق من مركبات كيميائية إلى مواد متطايرة تشكل الرائحة المميزة لكل منا. قد تتغير رائحتنا قليلاً أو كثيراً بتقدم السن، أو بتأثير المرض، لدرجة أن هناك أمراضاً يمكن تشخيصها اعتماداً على رائحة الجسم. لكن هذه التغيرات لا تنال من تفرد الرائحة، فتبقى إلى نهاية العمر بصمة كيميائية خاصة بصاحبها، تماماً كبصمات الأصابع، يستحيل على المرء إخفاؤها أو تزويرها مهما أسرف فى الاغتسال أو استخدام العطور. لهذا السبب تستطيع الكلاب البوليسية تعقب الأشخاص اعتماداً على روائحهم، كما يمكن لكثيرين من البشر، إذا تشمموا قميصاً قطنياً سبق ارتداؤه لعدة ساعات، أن يعرفوا جنس وعمر الشخص الذى كان يرتديه.
هذا المحتوى من «المصري اليوم».. اضغط هنا لقراءة الموضوع الأصلي والتعليق عليه
من المصري اليوم | أخبار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق