الخميس، 28 مايو 2015

صبحى موسى يروى ملحمة «الموريسكىّ الأخير»

صبحى موسى كاتب أربعينى متألق، يجمع إلى الشعر الذى أصدر منه خمسة دواوين شعفاً متنامياً بالرواية، تحقق فى عدد مماثل من الأعمال، آخرها هذه الرواية المثيرة للتأمل بعنوان «الموريسكىّ الأخير»، حيث يحاول -كما كان يقول إميل حبيبى- أن يحمل بطيختين بيد واحدة، فيقدم جديلة عسيرة التضفير لعالمين متباعدين زمانياً ومكانياً وموضوعياً، رابطاً بينهما بجهد كبير فى تتبع سلالة الموريسكيين، وهم بقية الأندلسيين الذين تشردوا فى البلاد، بعد سقوط غرناطة نهاية القرن الخامس عشر، فتعرضوا للتنصير القسرى وهاجر بعضهم إلى المغرب والجزائر وتونس، لكن الكاتب يفاجئنا فى هذه الرواية ببقايا سلالتهم التى استقرت فى مصر، جامعاً بين ثورتهم فى جبال غرناطة والثورة المصرية فى يناير 2011 عبر «مراد»، آخر عنقود سلالتهم، وعلى الرغم من تطاول الأمد وتباعد المسافات وتحول التاريخ إلى نوع من الضباب الأسطورى، فإن القفز المتناوب فى فصول الرواية بين هذين العالمين ليس هناك ما يبرره فنياً، ولا ما يسوغه موضوعياً على ما قد يتراءى فيه من نزوع للتجريب والحداثة التقنية. إلى جانب ظاهرة لافتة هى تدفق المعلومات التاريخية فى الرواية بشكل يكاد يطفئ الوهج التخييلى فيها، فمن المفروض أن العمل الأدبى لا ينقل عشرات الصفحات حرفياً، ولا يعنى بتكديس المواد، بل يعيد تخليقها وتفطيرها، بحيث تصبح مجرد خلفية غير منظورة للوقائع والتفاصيل المتخيلة، ويرتكز على اختيار اللحظات الكاشفة المفصلية ليقدم أجوبة لا يستطيع المؤرخ أن ينفذ إليها عن الأسباب العميقة للمسارات التى جرت. ومع أن كاتبنا يرسم نموذجاً متخيلاً له جذوره الافتراضية هو الراوى نجل ابن جهور فى الجزء القديم، ومراد الذى يعد امتداده المتجسد المندغم فيه فى الجزء المعاصر، فإنه يحشو روايته بعشرات الصفحات التلخيصية من كتب التاريخ دون ضرورة فنية أو توظيف سردى، فلا معنى على الإطلاق وهو يتحدث عن ثورة البشرات أن يعمد إلى تقديم تقرير موجز عن أسباب سقوط خلافة قرطبة قبلها بقرون، ولا مجال وهو يتحدث عن آخر حوادث الثورة المصرية فى الثلاثين من يونيو أن يؤرخ لملحمة أسطول محمد على ولا سيطرته على الشام والحجاز ضد الحكم العثمانى، هل تتسع رواية واحدة للإحاطة بهذه العوالم؟ فمهما كان الجهد البحثى للمبدع فإن التصميم التقنى للعمل لابد أن يعتمد على الاقتصاد والتكثيف والتبئير - أى صناعة البؤرة الجامعة لكل الأضواء الشتيتة - لتكوين رؤية فنية لا يبطل فيها التاريخ سحر الأدب، ولا تضيع خلالها تلك الإضاءات اللامعة التى بثها الكاتب على ملاحم الثورات الموريسكية المتتابعة فى البشرات والبيازين وبالنثيا فكشفت منطق التاريخ وأدمت جروحه وعمقت شعورنا به.

هذا المحتوى من «المصري اليوم».. اضغط هنا لقراءة الموضوع الأصلي والتعليق عليه



من المصري اليوم | أخبار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق