الحُكم الذى لا يأخذ فى اعتباره أنانية البشر ونفاد صبرهم لا يُكتب له الاستمرار، حتى لو كان يوفر للناس احتياجاتهم الأساسية بأسعار رخيصة، ويقدم لهم التعليم والعلاج بالمجان، فما بالك بالذى لا يقدم شيئاً!. الاتحاد السوفيتى السابق قدم للناس الأساسيات علاوة على قاعدة صناعية وملاعب خضراء ومعامل بحث ومختبرات علمية وأبطال فى كل الرياضات، لكن هذا النظام ضنّ على المواطن باللبان الشيكلتس وعلب الكولا وأكياس الشيبسى وبنطلونات الجينز والسجائر المارلبورو. صحيح أن القهر والكبت وغياب الحريات السياسية كانت عوامل أساسية فى الانهيار، لكنى أزعم أن السلع التافهة سالفة الذكر كان لغيابها أثر فى عدم دفاع الناس عن مكاسبهم التى حققوها فتركوها تنفرط وجروا وراء الأوهام. شىء يشبه ذلك حدث فى مصر بعد أن أعلن السادات سياسة الانفتاح الاقتصادى فى منتصف السبعينيات. لا أنسى بورسعيد عندما تحولت إلى ما سموه مدينة حرة مارست حريتها فقط فى تجارة السلع المستوردة والمهربة التى كان الناس متعطشين لها. كان من المناظر المألوفة فى ذلك الوقت أن تجد فى موقف سيارات أحمد حلمى، حيث الحافلات وسيارات الأجرة التى تحمل المسافرين إلى بورسعيد، أناساً يفترض أنهم محترمون، وقد نزل كل منهم من بيته مرتدياً بيجامة مهلهلة وشبشباً ممزقاً، أو قميصاً وبنطلوناً لا يقبل زبال ارتداءهما، ثم يسافرون إلى المدينة الحرة ويعودون وقد ارتدى كل منهم طبقات من القمصان فوقها حُلة راقية من ماركة فاخرة، ومعطف باذخ مع حذاء آخر موضة، وذلك بعد أن خلع كل منهم الأسمال التى كان يرتديها وألقى بها فى إحدى الخرابات التى قام بتغيير ملابسه فيها!. كان البعض يحضر الملابس لنفسه، وبعضهم يأتى بها للمتاجرة والخروج بمكسب من بيعها، والنوعان كانا يلجآن لهذا السلوك من أجل الهروب من الجمارك، إذ كيف يمكن لموظف الجمرك أن يحاسب شخصاً على ملابس يرتديها؟
من المصري اليوم | أخبار
هذا المحتوى من «المصري اليوم».. اضغط هنا لقراءة الموضوع الأصلي والتعليق عليه
من المصري اليوم | أخبار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق